ابن الجوزي
65
كشف المشكل من حديث الصحيحين
هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استقصاء لطلب طريق مقطوع به فيسرعون قنوعا ( 1 ) بأسرع شيء ، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام ، والمنام أدنى طرق الوحي وأقلها . وقوله : أو كان الحبل . قال ابن جرير : يعني حبل المحصنة التي لا زوج لها ، ولا ينكر الزاني أنه من زناه . وقوله : « لا تطروني » الإطراء : الإفراط في المدح . والمراد به هاهنا المدح الباطل . والذين أطروا عيسى ادعوا أنه ولد الله ، تعالى الله عن ذلك ، واتخذوه إلها ، ولذلك قال : « ولكن قولوا : عبد الله ورسوله » . فإن قال قائل : وما علمنا أن أحدا ادعى في رسول الله ما ادعى في عيسى . فالجواب أنهم بالغوا في تعظيمه ، حتى قال معاذ بن جبل : يا رسول الله ، رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال : « لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » ( 2 ) فنهاهم عما عساه يبلغ بهم العبادة . ثم ليس من شرط النهي أن يكون المنهي عنه قد فعل ، وإنما هو منع من أمر يجوز أن يقع . وقوله : كانت بيعة أبي بكر فلتة . الفلتة : ما وقع عاجلا من غير تمكث . وربما توهم سامع هذا الكلام أن عمر كالنادم على بيعة أبي بكر ، وليس كذلك ، وإنما استعجل عمر بالبيعة مخافة الفتنة ،
--> ( 1 ) « قنوعا » من ر . ( 2 ) المسند » ( 5 / 227 ) .